نشرت شبكة الجزيرة، اليوم الأحد 9 أغسطس، قصة مطولة أعدها الصحفي عبد القدوس الهاشمي، تتبع فيها رحلة شاب موريتاني في السادسة والعشرين من عمره، سلك واحدًا من أخطر مسارات الهجرة غير النظامية نحو الولايات المتحدة، قبل أن يقرر بعد نحو عامين العودة طوعًا وإنهاء تجربته مع ما كان يراه في البداية «الحلم الأمريكي».
واستخدمت الجزيرة للشاب اسمًا مستعارًا هو «القنديل» حفاظًا على هويته، فيما روى للكاتب تفاصيل رحلته التي بدأت بفكرة راودته خلال وجوده في تركيا عام 2022، في وقت كانت فيه موجة الهجرة الموريتانية إلى الولايات المتحدة تتسع بسرعة.
بداية الفكرة
قال الشاب إن وصول أعداد متزايدة من الموريتانيين إلى الولايات المتحدة جعله ينظر إلى الطريق بوصفه قابلًا للعبور رغم مخاطره.
وكان خاله قد سبقه إلى أمريكا بشهر تقريبًا، بينما كانت أخبار وصول المهاجرين تنتشر بشكل واسع داخل المجتمع الموريتاني.
وقال الشاب إن الناس غالبًا ما يتذكرون من يصلون سالمين أكثر مما يتذكرون الذين يموتون في الطريق، وهو ما جعل مسارات الهجرة تبدو، في نظر كثيرين، أقل خطورة مما هي عليه في الواقع.
وخلال عام 2023، سجلت الحدود الأمريكية المكسيكية ارتفاعًا كبيرًا في أعداد المهاجرين الموريتانيين، في ظل انتشار مسار نيكاراغوا الذي أصبح أحد أبرز الطرق المستخدمة للوصول إلى الولايات المتحدة عبر أميركا الوسطى والمكسيك.
دخول عالم التهريب
بحسب رواية الشاب، بدأت المرحلة الأكثر تعقيدًا من الرحلة عند وصوله إلى نيكاراغوا، حيث دخل في شبكة من الوسطاء والمهربين الذين يتولون نقل المهاجرين من محطة إلى أخرى.
وفي مطار ماناغوا، كان عليه الالتزام بتعليمات دقيقة وصلت إليه مسبقًا عبر الهاتف، حتى لا يقع في أيدي مجموعات أخرى قد تستدرجه أو تخطفه مقابل فدية.
وكان أول شخص تولى استلام مجموعته رجلًا يُعرف باسم «بيدرو»، قال الشاب إنه كان يعمل ضمن شبكة مرتبطة بكارتل سينالوا المكسيكي.
ووصف المهاجر الشاب عالم التهريب بأنه منظومة شديدة التنظيم، يتحول داخلها الإنسان إلى ما يشبه «البضاعة» التي تُنقل بين محطات ومجموعات مختلفة، مقابل مبالغ مالية موزعة على مراحل الرحلة.
إخفاء الأموال
في إحدى المحطات، جمع المسؤولون عن المجموعة أموال المهاجرين وأعادوا إخفاءها داخل الحقائب بطريقة يصعب اكتشافها.
وقال الشاب إن أحد المهربين فتح أجزاء صغيرة من الحقائب وأخفى الأوراق النقدية داخل بطانتها، مع ترك مبالغ بسيطة في متناول أصحابها أثناء الطريق.
وكان الشاب يحمل قرابة ثلاثة آلاف دولار إضافة إلى إمكانية الحصول على الأموال عبر شبكات تحويل غير رسمية.
ولفت إلى أن بعض المهربين كانوا حريصين على عدم سرقة المهاجرين، لكنه اعتبر ذلك جزءًا من الحفاظ على سمعتهم التجارية واستمرار تدفق الزبائن، وليس تعبيرًا عن حرص إنساني عليهم.
عبر هندوراس وغواتيمالا
واصلت المجموعة رحلتها من نيكاراغوا إلى هندوراس ثم غواتيمالا.
وكانت أغلب التحركات تتم ليلًا وفي ساعات الفجر الأولى، عبر حافلات وسيارات تقود بسرعات عالية، فيما يتواصل المهربون فيما بينهم لإبلاغ بعضهم عن نقاط التفتيش والحواجز الأمنية.
وقال الشاب إن الرشاوى كانت جزءًا من المسار في بعض النقاط، حيث كان رجال شرطة يوقفون الحافلات ويعدون الركاب، ثم تُدفع مبالغ مقابل السماح لهم بمواصلة الرحلة.
وفي كل محطة، كان بعض المهربين يصورون المهاجرين فردًا فردًا للتأكد من وصولهم إلى النقطة التالية.
الطريق إلى المكسيك
عند وصول المجموعة إلى غواتيمالا، خُيّر المهاجرون بين مواصلة الطريق برًا نحو المكسيك أو عبور جزء من الرحلة بحرًا.
وكان الطريق البري أطول ويستغرق عدة أيام، فيما كان الطريق البحري أقصر لكنه أكثر خطورة.
ورغم تحذير والد الشاب له قبل الرحلة من ركوب البحر، اختارت أغلبية المجموعة المسار البحري.
وقال الشاب إن تلك المرحلة كانت أكثر لحظات الرحلة رعبًا بالنسبة إليه.
قارب في المحيط
نُقل المهاجرون إلى الساحل، حيث كان في استقبالهم مسلحون ملثمون قبل توزيعهم على قوارب صغيرة.
ووصف الشاب القارب بأنه غير معد لنقل البشر، وأن الركاب حُشروا داخله في مساحة ضيقة للغاية.
وانطلقت الرحلة ليلًا وسط أمواج قوية، وكان القارب يتوقف من حين لآخر للتزود بالوقود من عبوات محمولة.
وحمل الشاب معه كمية محدودة من الماء والتمر، وقال إنه كان يقتصد في تناولها بشدة طوال الرحلة حتى لا ينفد الماء أو يزداد عطشه.
وفي إحدى اللحظات ظهرت أضواء مجهولة في البحر، فاستعد المسلحون الموجودون على متن القارب لاحتمال وقوع اشتباك، قبل أن تمر الأضواء دون أن تكتشفهم.
وأشار إلى أن مجموعته كانت تسمع عن حوادث سابقة قُتل فيها مهاجرون خلال العبور البحري أو أثناء اشتباكات بين جماعات التهريب.
مسدس في وجهه
بعد الوصول إلى الساحل المكسيكي، نُقلت المجموعة إلى منزل تديره امرأة تُعرف بين المهاجرين باسم «ماما».
وهناك وقعت واحدة من أخطر اللحظات في رحلة الشاب.
فقد أعلن أحد المهاجرين التشاديين اختفاء أمواله، ووجه الشك إلى الشاب الموريتاني بعد خلاف سابق وقع بينهما.
وقال الشاب إن أحد رجال العصابة رفع مسدسه في وجهه وطالبه بالاعتراف بسرقة المال.
ورفض الاعتراف، مؤكدًا أنه لم يسرق شيئًا، حتى تدخل صاحب المال نفسه وقال لرجال العصابة إنه لا يعتقد أن الشاب هو السارق.
وبعد التحقيق، تبين أن مهاجرًا آخر هو من سرق الأموال، بمساعدة أحد أفراد المجموعة المسلحة، وفق الرواية التي نقلتها الجزيرة.
وأعيد المال إلى صاحبه، بينما عوقب المتورطون في السرقة.
مكسيكو سيتي
بعد ذلك، نُقلت المجموعة إلى العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، حيث انتهت مهمة شبكة التهريب الأولى.
وهناك بدأ الشاب مرحلة جديدة هدفها الوصول إلى مدينة تيخوانا القريبة من الحدود الأمريكية.
وبحسب روايته، استعان المهاجرون بترتيبات وفرها وسطاء في موريتانيا، شملت ملفًا قانونيًا يسمح لهم بمحاولة السفر داخل المكسيك باتجاه الشمال.
لكن الخطة الأولى فشلت.
ففي مطار مكسيكو سيتي، أوقفت السلطات عددًا من الموريتانيين قبل صعودهم إلى الطائرة، وتم نقلهم إلى مركز احتجاز تابع للهجرة.
السجن في المكسيك
قال الشاب إنه قضى فترة في الاحتجاز قبل أن تنقله السلطات إلى ولاية تاباسكو في جنوب المكسيك، مع منحه مهلة لمغادرة البلاد.
وكان خلال احتجازه يتواصل مع والدته ويخبرها بأنه في مكان آمن، بينما يتجنب إخبارها بأنه موجود داخل مركز احتجاز حتى لا يثير قلقها.
وبمجرد إطلاق سراحه في الجنوب، قرر إعادة المحاولة بدل العودة.
المحاولة الثانية
تواصل الشاب مع مهرّب جديد دفع له نحو ألف دولار لإعادته إلى العاصمة.
ونقلتهم إحدى المرات شاحنة محملة بالتبن، حيث اختبأ المهاجرون داخلها لساعات طويلة.
وعند عودته إلى مكسيكو سيتي، تواصل مع الجهة التي رتبت رحلته من موريتانيا واحتج على فشل الخطة الأولى، فتم ترتيب محاولة أخرى.
وفي المرة الثانية تمكن من ركوب الطائرة والتوجه إلى تيخوانا.
على حدود الولايات المتحدة
في تيخوانا، بات الشاب على بعد مسافة قصيرة من الأراضي الأمريكية.
وتولى مهرّب أخير إرشاد مجموعته إلى منطقة قريبة من السياج الحدودي، ثم تركهم يكملون الطريق سيرًا.
وكانت المجموعة تضم موريتانيًا آخر وتونسيين.
وعند السياج، وجد الشاب حبلاً متدليًا من أعلى الجدار، فقرر استخدامه بدل مواصلة البحث عن الفتحة التي أخبرهم بها المهرب.
ووضع معطفه الجلدي فوق الأسلاك الشائكة وصعد حتى تجاوز السياج، ثم تبعه الآخرون.
13 ساعة سيرًا
بعد دخول الأراضي الأمريكية، سار الشاب ومجموعته نحو 13 ساعة عبر مناطق وعرة قبل أن يصلوا إلى عناصر من حرس الحدود الأمريكي.
ووُضعوا بعد ذلك في مركز احتجاز.
وقال الشاب إن إحدى الزنازين كانت شديدة البرودة ومضاءة باستمرار، بحيث يصعب على المحتجز معرفة الوقت أو التمييز بين الليل والنهار.
وبعد استكمال الإجراءات الأولية، نُقل إلى كاليفورنيا.
من كاليفورنيا إلى نيويورك
بعد خروجه، التقى بصديق له في كاليفورنيا، ثم قرر التوجه إلى نيويورك.
وهناك قدم ملف هجرة وحصل لاحقًا على تصريح للعمل ورقم ضمان اجتماعي.
وعمل في عدة مجالات، من بينها مواقف السيارات والإنشاءات ومستودعات أمازون.
وقال إنه وجد فرص عمل فعلية، لكنه اكتشف في الوقت نفسه ارتفاع تكلفة المعيشة، خصوصًا في نيويورك، وصعوبة ادخار الأموال بعد دفع تكاليف السكن والطعام والمصاريف اليومية.
الخوف يتزايد
لاحقًا، انتقل الشاب إلى ميشيغان بحثًا عن معيشة أقل تكلفة.
لكن مع تشديد سياسات الهجرة الأمريكية وتوسع حملات التوقيف والمداهمات، بدأ يشعر بأن وضعه أكثر هشاشة.
وقال إن عناصر الهجرة وصلوا في إحدى المرات إلى محيط مكان عمله، وإن الإدارة طلبت من بعض العمال المغادرة إذا لم تكن أوضاعهم القانونية مستقرة.
كما اتصل به خاله في واقعة أخرى ليخبره بوجود عناصر الهجرة في المجمع السكني الذي يقيم فيه.
وأدت هذه الأجواء، وفق روايته، إلى شعور دائم بالخوف وعدم الاستقرار.
حلم الشاحنات يتوقف
كان الشاب يخطط للانتقال إلى قيادة الشاحنات التجارية بوصفها مصدر دخل أفضل.
لكن تشديد الشروط المتعلقة ببعض رخص القيادة التجارية للمهاجرين، إلى جانب تشديد متطلبات اللغة والوثائق، جعله يرى أن هذا المسار أصبح أكثر صعوبة.
وقال إنه شعر بأن إحدى أهم خططه الاقتصادية في الولايات المتحدة قد انهارت.
الملف معلق
إلى جانب ذلك، بقي ملفه القانوني معلقًا لفترة طويلة.
وكان يرى حالات مهاجرين أمضوا سنوات في الولايات المتحدة قبل أن ينتهوا في مراكز الاحتجاز أو يواجهوا أوامر ترحيل.
ومع مرور الوقت، بدأ يقارن بين ما دفعه من أموال وما تحمله من مخاطر للوصول إلى أمريكا وبين النتيجة التي يعيشها.
قرار العودة
في النهاية، قرر الشاب إنهاء التجربة.
باع سيارته، وصفى حساباته والتزاماته، وغادر الولايات المتحدة طوعًا.
وقال للجزيرة إن الحلم الذي خاطر من أجله بحياته ودفع من أجله المال والوقت والصحة لم يعد بالنسبة إليه كما تخيله في البداية.
وعاد إلى منزل والديه في الدوحة دون أن يخبر أسرته مسبقًا بموعد الوصول.
وعندما خرجت والدته لصلاة الفجر، وجدته جالسًا في المنزل بعد غياب دام نحو عامين.
قصة تتجاوز صاحبها
ولا تقتصر أهمية قصة «القنديل» على تجربته الشخصية، إذ تعكس مرحلة شهدت توجه آلاف الموريتانيين عبر أميركا اللاتينية والمكسيك للوصول إلى الولايات المتحدة.
وتكشف الرحلة، كما نقلتها الجزيرة، جانبًا من اقتصاد شبكات التهريب، وطبيعة المسارات التي يتحرك فيها المهاجرون، والمخاطر المرتبطة بالعصابات والسجون والبحر والحدود.
كما تقدم صورة مختلفة عن نهاية رحلة الهجرة، إذ لم تنته قصة الشاب بالاستقرار في الولايات المتحدة ولا بالترحيل منها، وإنما بقرار شخصي منه بالعودة بعد أن خلص إلى أن الحياة التي وجدها هناك لم تعد تساوي بالنسبة إليه كلفة الاستمرار.
المصدر: شبكة الجزيرة
كاتب المادة الأصلية: عبد القدوس الهاشمي
#موريتانيون_في_أمريكا #موريتانيا #الهجرة #الهجرة_إلى_أمريكا #الولايات_المتحدة #المكسيك #نيكاراغوا #طريق_الهجرة #الجزيرة
وجاءت القصة في مادة مطولة نشرتها شبكة الجزيرة اليوم الأحد 9 أغسطس، أعدها الصحفي عبد القدوس الهاشمي، واستخدم فيها اسمًا مستعارًا للشاب هو «القنديل» حفاظًا على هويته.
وبحسب الرواية التي نقلتها الجزيرة، بدأت فكرة الهجرة لدى الشاب عام 2022 مع تزايد أعداد الموريتانيين المتجهين إلى الولايات المتحدة عبر مسارات غير نظامية، قبل أن يشرع لاحقًا في رحلة مرّت بعدة مطارات ودول في أميركا الوسطى.
وقال الشاب إنه وجد نفسه داخل شبكة تهريب منظمة تتولى نقل المهاجرين من مرحلة إلى أخرى، قبل أن يصل إلى نيكاراغوا ثم يواصل عبر هندوراس وغواتيمالا باتجاه المكسيك.
وخلال الرحلة، واجه مخاطر متعددة، من بينها عبور البحر في قارب تهريب، والتنقل تحت إشراف جماعات مسلحة، فضلًا عن احتجازه في المكسيك وإعادته إلى جنوب البلاد قبل أن يعاود المحاولة مرة ثانية.
كما روى أنه تعرض في إحدى المحطات لتهديد مباشر بالسلاح بعد اتهامه بسرقة أموال مهاجر آخر، قبل أن تتبين براءته لاحقًا.
وبعد وصوله إلى تيخوانا، عبر الشاب السياج الحدودي نحو الولايات المتحدة، قبل أن يتم توقيفه من طرف حرس الحدود الأمريكي ووضعه في مركز احتجاز.
وانتقل لاحقًا إلى كاليفورنيا ثم نيويورك، حيث تقدم بملف للهجرة وحصل على تصريح عمل ورقم ضمان اجتماعي، واشتغل في عدد من المجالات من بينها مواقف السيارات والإنشاءات ومستودعات أمازون.
لكن الشاب قال إن تجربته في الولايات المتحدة بدأت تتغير مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وطول انتظار ملف الهجرة، وتشديد حملات التوقيف والمداهمات، إضافة إلى تقلص بعض فرص العمل التي كان يعوّل عليها.
وقال في حديثه للجزيرة إن الخوف من المداهمات وعدم استقرار وضعه القانوني، إلى جانب صعوبة الادخار وارتفاع تكاليف الحياة، دفعته إلى إعادة التفكير في مستقبله.
وبعد نحو عامين من الغياب، قرر بيع سيارته وتصفية التزاماته والعودة إلى أسرته، ليصل إلى منزل والديه في الدوحة من دون أن يخبرهم مسبقًا بموعد عودته.
وتسلط القصة التي أعدها الصحفي عبد القدوس الهاشمي لصالح شبكة الجزيرة الضوء على مسارات الهجرة غير النظامية التي سلكها آلاف الموريتانيين نحو الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، وعلى حجم المخاطر المرتبطة بشبكات التهريب والاحتجاز والعبور عبر أميركا اللاتينية.
المصدر: شبكة الجزيرة
إعداد المادة الأصلية: عبد القدوس الهاشمي

