ليست العلاقات الموريتانية السعودية من نوع تلك العلاقات التي تحتاج إلى كثير من الشرح أو التقديم؛ فهي علاقة أقدم من كثير من التفاصيل التي تحيط بها اليوم، وأرسخ من أن تختصر في ظرف أو مرحلة.
فمنذ ميلاد الدولة الموريتانية الحديثة، ظلت المملكة العربية السعودية في مقدمة الدول التي وقفت إلى جانبها، ودعمت مسيرتها، وواكبتها في محطات مختلفة، سياسياً واقتصادياً وثقافياً ودينياً.
ولم يكن ذلك الدعم مرتبطاً بظرف مؤقت أو بحسابات مرحلة، بل ظل على مدى عقود، جزءاً من طبيعة العلاقة بين بلدين تجمعهما وشائج أعمق من السياسة، وأبعد من المصالح الآنية.
ولعل العلاقات التي تصمد أمام تبدل السنوات وتغير الظروف لا تحتاج إلى كثير من الكلام عنها؛ يكفي أن ينظر المرء إلى ما تراكم فيها من مواقف ومشاريع وروابط ليعرف أنها علاقة بنيت حجراً فوق حجر.
وقد تعاقب على السفارة السعودية في نواكشوط سفراء أدوا واجبهم ومثلوا بلدهم خير تمثيل، وأسهموا في صيانة هذه العلاقة وتعزيزها، كل من موقعه وفي حدود المرحلة التي عمل فيها.
لكن حضور سعادة الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الرقابي، سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الجمهورية الإسلامية الموريتانية، منذ توليه مهامه في أكتوبر 2024، أضاف لبنات جديدة إلى هذا الصرح المتين.
فقد جمع الدكتور الرقابي بين حسن تمثيل المملكة، والانفتاح على المجتمع الموريتاني، والدفع باتجاه توسيع مجالات التعاون والشراكة بين البلدين.
ولم يكن حضوره حضورا بروتوكولي يقتصر على المناسبات الرسمية، بل كان أقرب إلى حضور رجل يريد أن يعرف البلد الذي يعمل فيه من داخله، وأن يرى تفاصيله كما يراها أهله، لا كما تظهر فقط في الملفات والتقارير.
فتح الرقابي أبواب السفارة أمام الموريتانيين من مختلف المشارب، واستقبل السياسي والمثقف والإعلامي والأكاديمي ورجل الأعمال، وتواصل مع شخصيات وفعاليات من خارج الدائرة الرسمية الضيقة.
كما حرص على النزول إلى المجتمع، فشارك الموريتانيين أفراحهم وأتراحهم، وحضر مناسباتهم، ووجدناه في فعاليات ثقافية وفكرية مختلفة، متابعاً المشهد الموريتاني عن قرب.
هذا النوع من الحضور قد يبدو للوهلة الأولى، تفصيلاً صغيراً في عمل دبلوماسي تحكمه الملفات والمواعيد والبروتوكولات، لكنه في الحقيقة من أكثر التفاصيل قدرة على صناعة الفرق.
فالسفير الذي يقترب من الناس، ويجلس إليهم، ويصغي لهم، لا يؤدي مهمة بلاده فقط، وإنما ينسج خيطاً إنسانياً بين شعبين، والخيوط الصغيرة هي التي تتحول مع الوقت، إلى نسيج متين.
ومن هنا تبدو تجربة الدكتور الرقابي جديرة بالانتباه؛ فهو لم يكتف بأن يكون سفيراً للمملكة لدى موريتانيا، وإنما حرص أيضاً على أن يكون أحد الوجوه التي تعكس طبيعة العلاقة بين الشعبين، وأن تكون السفارة مساحة للتواصل لا مجرد عنوان على خارطة الدبلوماسية.
من متانة العلاقات إلى اتساع الشراكة
ولم يكن هذا الحضور الاجتماعي منفصلاً عن حركة العلاقات الرسمية والاقتصادية بين نواكشوط والرياض.
فخلال الفترة التي تولى فيها الرقابي مهمته، شهد التعاون بين البلدين دفعاً ملحوظاً، خصوصاً في المجالات التنموية والاستثمارية، بما يعكس انتقال العلاقة تدريجياً من رصيد تاريخي قوي إلى فرص جديدة تتسع كل يوم.
فقد حافظ الصندوق السعودي للتنمية على حضوره في موريتانيا، من خلال تمويل مشاريع في قطاعات تمس حياة الناس مباشرة، في الصحة والمياه والطاقة والتنمية الريفية.
ويكفي هنا التوقف عند مشروع مستشفى الملك سلمان الجامعي في نواكشوط، إلى جانب مشاريع أخرى في المياه والطاقة، باعتبارها نماذج تعكس استمرار الحضور التنموي السعودي في موريتانيا، وتؤكد أن الدعم الذي عرفته البلاد من المملكة لم يكن صفحة من الماضي، وإنما مساراً يتجدد.
وفي الجانب الاقتصادي أيضا، اتجه التعاون في عهد الرقابي نحو فتح مساحة أوسع أمام القطاع الخاص، ومن أبرز الخطوات في هذا السياق تأسيس مجلس الأعمال السعودي الموريتاني المشترك، بما يتيح الانتقال بالعلاقات الاقتصادية من المبادرات المحدودة إلى شراكات أوسع بين رجال الأعمال في البلدين.
انتقال اقتصادي مهم؛ فالدول تستطيع أن تضع الأطر، وأن توقع الاتفاقيات، وأن تهيئ الطريق، لكن الشَّرِكات ورجال الأعمال هم الذين يحولون النصوص والاتفاقيات إلى مشاريع، والمشاريع إلى مصالح مشتركة، والمصالح المشتركة إلى علاقات أكثر رسوخاً.
ثم جاءت الزراعة والطاقة لتمنحا هذه العلاقة بعداً آخر، لأن موريتانيا التي طالما عُرفت بما تختزنه أرضها من إمكانات، بدأت تلفت الانتباه باعتبارها أرضاً صالحة للاستثمار الزراعي وموقعاً واعداً في مجال الطاقة.
ومن هنا تكتسب الاتفاقية المتعلقة باستغلال مساحة زراعية واسعة في ولاية لبراكنة أهميتها، ليس فقط باعتبارها اتفاقاً استثمارياً، وإنما باعتبارها نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه الشراكة الموريتانية السعودية حين تتجه إلى استثمار الإمكانات بدل الاكتفاء بإدارة الاحتياجات.
الدكتور الرقابي نفسه كان يتحدث في إحدى خرجاته بلغة متفائلة عن المستقبل؛ فقد أشار إلى إمكانية تحول موريتانيا إلى مصدر للكهرباء، كما تحدث، في سياق الحديث عن الزراعة، عن «مفاجأة زراعية كبرى» في الطريق.
وقد تبدو العبارتان، للوهلة الأولى، عبارة عن تفاؤل دبلوماسي، لكنهما في سياق ما يجري من تحركات واتفاقيات تحملان معنى أبعد.
فموريتانيا التي ينظر إليها البعض من زاوية ما تحتاجه، يمكن النظر إليها أيضاً من زاوية ما تملكه؛ أرض واسعة، وشمس لا تبخل، ورياح، وغاز، وموقع جغرافي، وفوق ذلك كله فرصة لبناء اقتصاد يستخرج من موارده قيمة مضافة، بدل أن تبقى تلك الموارد أرقاماً في التقارير.
وهنا تبدو أهمية النظرة التي يحملها السفير عن البلد الذي يعمل فيه؛ فحين يرى الدبلوماسي في البلد المضيف إمكانات المستقبل، فإنه لا يكتفي بنقل صورة الواقع إلى بلاده، وإنما يساهم، من موقعه، في لفت الانتباه إلى فرص يمكن أن تتحول إلى مشاريع وشراكات.
لبنات جديدة في بناء قديم
إن الإشادة بتجربة الدكتور عبد العزيز الرقابي لا تعني أن العلاقات الموريتانية السعودية بدأت معه، ولا أن ما تحقق خلال فترة عمله يمكن فصله عن تراكم طويل صنعه السفراء الذين سبقوه، وما راكمته القيادتان الموريتانية والسعودية عبر عقود.
لكن الرجل أضاف بصمته الخاصة؛ حضوراً اجتماعياً واضحاً، وانفتاحاً على المجتمع، وحركة نشطة في مجالات التعاون، ونظرة متفائلة إلى ما يمكن أن تحمله موريتانيا من فرص.
والأهم أن مهمته لم تنته بعد، فهو ما يزال على رأس عمله، وما يزال أمامه الكثير من الملفات والفرص.
ولذلك فإن الحديث عن تجربته اليوم ليس كتابة خاتمة، ولا تقديم حصيلة نهائية، وإنما قراءة لمسار لا يزال يتشكل، وقد تحمل خطواته المقبلة ما هو أكبر مما تحقق حتى الآن.
تلك هي الصورة التي يمكن أن تختصر تجربة السفير الدكتور عبد العزيز الرقابي حتى الآن: سفير لم يكتف بأن يمثل بلاده في موريتانيا، وإنما حرص على أن تكون بلاده حاضرة في وجدان الموريتانيين، وأن تكون موريتانيا حاضرة في رؤية بلاده للمستقبل.
وإذا كانت العلاقات الموريتانية السعودية قد عاشت عقوداً من الثبات، فإن أمثال عبد العزيز الرقابي يمنحون هذا الثبات حركة جديدة، ويحولون العلاقة من تاريخ مشترك إلى مستقبل واعد.
عربية بنت أهنَّ/ رئيسة النادي الموريتاني للجاليات

